عزيزي الزائر ..
شكراً لزيارتك منتدى مصياف للجميع ، لنعمل سويةً للارتقاء به دائماً نحو الأفضل .
لاعطاء صورة مشرقة لمدينتنا مصياف و ذلك بانضمامك لأسرة المنتدى ..
كذلك هناك الكثير من الأقسام و المزايا و الخدمات تظهر حصرياً للأعضاء المسجلين ..
أهلاً و سهلاً بك في موقع و منتدى مصياف للجميع ..

    الشجرة والأنثى

    شاطر
    avatar
    رامي وسوف
    مصيافي نحاسي
    مصيافي نحاسي

    عدد الرسائل : 50
    مكان الإقامة : مصياف
    Personalized field :
    التقييم : 0
    نقاط : 70
    تاريخ التسجيل : 13/12/2009

    الشجرة والأنثى

    مُساهمة من طرف رامي وسوف في 12/7/2010, 11:39 pm





    الشجرة والأنثى



    في كل صباح أرى الشجرة في أبهى حلةٍ لها, أسمعها مع طلوع الفجر تهمس للعصافير , طالبة منهم ألحاناً عذبة تجدد بها آثار يوم قد ذهب وذهبت معه كل حنايا الوجد المتجددة كل صباح لديها.
    كعادتي أخرج لأشتم رائحة الصباح , أنتعش, ثم أعد قهوتي وأجلس تحت الشجر , أتلذذُ بشرب القهوةِ مع لفافةٍ من التبغ تقودني أحياناً إلى عالم آخر أرى فيه كل ماعجزت مخيلة الإنسان عن ابتداعه , وعندما أسمع العصافير وهي تنسج مع حفيف أوراق الشجرة أجمل ماتملك من ألحان , أشعرُ أن شهادة ميلاد هذه الشجرة من عمر الأنثى وكواليسها الممتدة من مساءٍ يسكن الذاكرة إلى زمن مجهول يعد ُ مسرحا للمفارقات مابين مكاتب حجز الوفاة ووطن يطلب تأشيرة الخروج منه لكل مزراب يشتم رائحة العزلة ويزج بها فوق أحذية لاتنضب.
    تعلمتُ من تلك الشجرة أشياء كثيرة, تعلمت كيف يُفتحُ للحزنِ ألف باب , تعلمتُ كيف أهيمُ على وجهي ثمانية أيام في الأسبوع أبحث عن غزالة أصطادها وعندما أجدها أراها بجناحين من نور ونار وهي تحلق بعيداً تبحث عن حياة أخرى لاتطالها أجهزة القمع المتبعة , تعلمت لعبة (الفراغات) , لعبة سهلة وقاتلة , لعبة ممارسة الموت وبحرية تامة , وكثيرةٌ هي الأشياء التي تعلمت .
    وماذا عن خفايا الشجرة وما أحدثته من وقع جميل في روح الأنثى التي جعلت من تلك الشجرة مأثرة تجتمع فيها لحظات العشق كل يوم, فروحها لاتبخل في الوقوف أمام الشجرة كل صباح , تتقدم منها تلقي أشرعة القوافي عليها , ثم تلف حول جذعها رسائلاً من الشوق , لتنتقل الرسائل إلى أوراقها , تلتقطها العصافير ثم ترسلها إلى صديقي القابع تحت قلعة المدينة , ترتسم على وجهه صيغة الفرح الحقيقي , يذهب إلى العمل في حالة مختلفة عن معاصريه , يعود من العمل إلى المنزل , يجلس في غرفته الحنون , يتمتع برؤية صورة لأنثاه , يراها في كل زاوية, يقول في نفسه: في الماضي كانت تشاركني الجلوس في تلك الغرفة الصغيرة , أما الآن لم يبقى من يشاركني سوى روحها الطاهر التي سكنت الذاكرة منذ زمنٍ طويل وبقيت تحمل بأوردتي جراحاً هي أقرب إليّ من جنة الرحمن , حينها يتشكل في داخله دافع قويٌ يتقصد به الشجرة , يمشي خمسة أميال ليصل إليها , وعندما يصل يلتف حولها , يتلمس جذعها الذي حمل أول حرف من اسمه , حتى يرى صورتها في الحرف , يُقّبلُ الحرف ثم يلتف وأخيراً يشعر بنفسه وكأنه قد صلب على زند من تبصّروا له بدروب مستحيلة , ينتزع من وجهه صيغة الفرح الحقيقي , ينتزع النبض, يرجعه إلى الشجرة ثم يعود ليمشي خمسة أميال جديدة متقصداً منزله , يجلس في غرفته الحنون ينتظر يوماً آخر لعل أسطورته تصبح معجزةً يجوب بها أصقاع الأرض , يتلوها على كل من مشى في دروب يعرف أنها دروباً مستحيلة.
    نظرت يوماً إلى الشجرة في حين كان المساء يرتقب بدايته الأولى معلناً خيوطه التي راحت تتبعثر , تنسدل على الشفق المتبقي من الشمس بين جبلين عجوزين أطاح بهما ابن آدم وأخذ منهما كل ماأودعته الطبيعة من معالم الجمال لهذا العالم الذي لايعلن النهاية , اقتربت من الشجرة لأجد صديقي جالساً تحتها , ألقيت السلام عليه وصافحته , دعاني إلى الجلوس بجانبه فجلست , ساد الصمت طويلاً , لم أشأ أن أتكلم لأنني أشعر بما يدور في داخله وفي عالم هو فآثرت الصمت , غير أن الضجر راح يتفاقم في نفسي, نهضت ثم هززت أحد أغصانها حينها استيقظَ من ثبات اليقظة , نظر إلي ثم نهض, أخرج من معطفه زجاجة من الخمر , وأخذ رشفةً منها وقال: في الماضي كنتُ أحبذ الخمر التماساً للسعادة أما الآن فإني أحبذه نسياناً للماضي .... قالوا : إن في العالم الآخر أنهارٌ من الخمر وأنهارٌ من العسل .. إني أرجو ذلك , حينها دخلت في صمت عميق أنظر حولي , أتلفت , لتستقر عينايّ على صخور رمادية أحسست بأنها مقيدة تريد أن تعبر عن مايخبئه الزمن المجهول لها وحين أحسَت ببعض الحنان راحت تنطق معلنة عن بلاد البسطاء تلك المملكة التي عاش فيها البؤساء وتوجوها بعشق التحدي والوصول إلى النهاية , ابتسمت قليلا وقلت له: هي الأنثى, هي روحها التي تتحرك دائما في داخلك , تلتزم بقضيتها , تلك القضية التي جعلتَ منها أسطورة تقود إلى مسامعك أعذب ماعُرف من ألحان للخلود وأعذب ماعرفت دواتك من تعابير صادقة هي الآن أحوج إليها من أي وقت مضى , أحسست أنني أثقلت عليه بكلماتي وفتحت له من الذكريات مايجعله متخلفاً سنة كاملة عن النسيان البسيط الذي لايلبث أن يجتاحه لوهلة حتى يعود به ثلاث سنوات قد مضت بذكرياته والآن تجددت .
    نظر إليّ ثم عاود الجلوس تحت الشجرة , اتكأ على جذعها وقال : في الماضي عندما أمشي وهي برفقتي كنت أتراقص حولها , كانت قدمايّ تعلنان عن مسيرة أيام جميلة قادمة , أما الآن فصرت أحاذي تلك الشجرة , تلك التي حملت أول حرف من اسمي , ويأتي الخريف دائماً , يُسقط أوراقها مبقياً على ورقة وحيدة فيها ,كُتب على وجه منها مناجاة تقول:( أيها الزمن المجهول ), وعلى الوجه الآخر ( أنتظر الوعود ... أنتظر الهموم ) ثم أشعل لفافة من التبغ وقال مخاطباً إياها: لفافة التبغ.. أيتها السحب التي تصعدين نحو الإله وتحملين خالص الفِكَرِ ... بالله ألا اقتربت رحابه تسألينه عن شوق المحب وعن قدري, ثم نظر إليّ وتابع قائلاً : إنني لاأفهم قول الشاعر: الرجل يحتاج ثانية ليحب امرأة لكنه يحتاج عصوراً لنسيانها.
    قلت: وماذا بعد ياصديقي, قال: أتمنى لجرحي أن يُشفى صديقي , أتمنى من تلك الشجرة أن تجتث كل ذكرياتي .... قاطعته قائلاً : تتمنى أن تجتث الشجرة كل ذكرياتك رغم تأثرك العميق بها , حتى هذه اللحظة تخفي مشاعرك تجاه تلك الذكريات وأنت تتمنى أن لا تفارقك أبداً, لاتحاول أن تخفي مشاعرك ياصديقي فهي قوية وواضحة , أما الآن فقد أثقل النعاس عينيّ وحان وقت العودة وأرجو أن أراك مرة ثانية تحت تلك الشجرة, حينها نظر إلى الشجرة, نظر إلى جذعها وأول حرف من اسمه ثم نظر إليّ وقال: أخشى أنه اليوم الأخير لارتيادي هذا المكان صديقي.
    بعد ذلك اليوم صرت أتقصد تلك الشجرة لأتلمس جذعها الذي يعد في نظري جذعاً ممتداً بين صحوة الحياة وخرائط من كتبوها بلغة الأساطير القديمة , وحين أتلمسه أشعر بخفايا تلك الشجرة ماحملته من لغاتٍ وهمسات دافئة على ذكريات كثيرة , كذكرى صديقي والأنثى عاشقين عمل الزمن المجهول على ابتلاعهما وهضمهما بطريقة المشردين ومن ثم عمل على تقيؤهما ليعودا كائنين قد مستهما كل حدود السخط والتذمر والاستهتار وكل أساليب القمع المتبعة .
    آخر يوم رأيت فيه الشجرة عندما جلست تحتها وكنت قد أعددت قهوتي , أشعلت لفافة التبغ لكنها كانت مختلفة عن سابقاتها , فهي الآن من ماركة تابعة لشركة عنصرية خلفت أشياء قبيحة ماتزال موروثة إلى يومنا هذا , أطلقت سحابة طويلة فاكتظت الشجرة وسقط منها سهواً على دماغي لعبة ممارسة الموت وبحرية تامة , حينها قذفت باللفافة بعيداً, احتميت بجذع الشجرة ولغتها العاشقة المتدحرجة من شرفة الله إلى ثورتي التي تميل حسب الطقوس والأمزجة ثم راح لساني ينطق : آه, ويلتاه, رباه , سامحني , أدخلني في الصالحين من عبادك .




    رامي وسوف
    avatar
    ياسين
    مصيافي نحاسي
    مصيافي نحاسي

    عدد الرسائل : 211
    مكان الإقامة : سوريا
    Personalized field :
    التقييم : 0
    نقاط : 359
    تاريخ التسجيل : 16/08/2009

    رد: الشجرة والأنثى

    مُساهمة من طرف ياسين في 14/7/2010, 4:56 am

    مشكور على الموضوع الحلو .....أنت مبدع.
    avatar
    maher1979
    عضــــــو مميز
    عضــــــو مميز

    عدد الرسائل : 605
    مكان الإقامة : Saudi Arabia - Riyadh
    Personalized field :
    التقييم : 16
    نقاط : 993
    تاريخ التسجيل : 13/02/2010

    رد: الشجرة والأنثى

    مُساهمة من طرف maher1979 في 14/7/2010, 9:46 pm

    من يكتب كلمة يبقى يدوم ... كلمته تعمل كالروح الصامدة الباقية الخالدة
    مشكور أخ رامي على كتاباتك المتألقة

      الوقت/التاريخ الآن هو 15/7/2018, 9:21 pm